من الركام والأنقاض إلى إحداث تحول منهجي: استعراض أثر منهجية STEAM في تعزيز الوعي المجتمعي وتنمية مهارات القيادة

Publication date
مايا حمّود، منتسبة في جمعية التعليم لأجل لبنان
Image
Many children in school uniform sit on steps outside their schools holding models of homes

Read this story in English

لم أتوقع يومًا أن أعمل في مجال الإسكان المستدام، أو أن أنسق مختبر STEAM، أو أن أمثل الشباب العربي في المنتديات المتعلقة بالهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة. لم تبدأ رحلتي برؤية كبيرة أو بمبادرة وطنية، بل انطلقت من مدرسة حكومية في جنوب لبنان، ومن سؤال بسيط وصادق: كيف يمكن للتعلم أن يساعد الطلاب في إعادة بناء حياتهم بدلًا من الاكتفاء بحفظ الدروس؟

تعاني بلدة تبنين في جنوب لبنان بشكل كبير من آثار النزاع وعدم الاستقرار. يومًا ما كنت طالبة في هذا المجتمع، أما اليوم فأعمل كمنتسبة في جمعية التعليم لأجل لبنان هنا. وعندما يحدثني طلابي عن مشاعرهم حول الفقدان والنزوح، أشعر أن هذه التجربة قريبة مني، ونحاول تخطيها معًا. بعد شهور من النزوح ودمار المنازل، لاحظت بوضوح إحباطهم عندما طرحت عليهم سؤالًا: "لو استطعنا حل مشكلة واحدة في مجتمعنا، فما هي؟" فجاء جوابهم على الفور: "لقد دُمرت بيوتنا."

كان الشعور بالألم واضحًا في الغرفة. ولكن لاحظت شيئا آخر، لاحظت وجود رغبة حقيقية في التحرك وأخذ زمام المبادرة لم أشهدها منذ فترة طويلة. اقترحت قائلةً: "بدلًا من الاكتفاء بمناقشة الأمر، دعونا نعمل على إيجاد حل لهذه المشكلة."

في ذلك اليوم، قررنا ترك المنهج الدراسي وبدأنا في تصميم منازل مستدامة باستخدام مواد منخفضة التكلفة أو معاد تدويرها. انشغل الطلاب بالبحث في مواضيع العزل والتهوية والطاقة الشمسية والتكيف مع المناخ. قاموا بصناعة نماذج أولية من الورق المقوى، كما رسموا تصاميم أولية، وأعادوا تصميمها مرارًا وتكرارًا. كل فشل أو نقص كان بمثابة دافع جديد للاستمرار والمثابرة.

ثم حدث شيء رائع، بدأ الطلاب بإحضار أنقاض منازلهم التي دُمرت: بلاطات محطمة، وأخشاب محترقة، وزجاج محترق، وطوب مكسر. رفعت إحدى الطالبات قطعة خشب متفحمة وقالت: "إن استطاعت هذه القطع المكسرة أن تتحول إلى شيء جديد، فربما نستطيع نحن أيضًا ذلك." نجوى، التي نزحت عائلتها مرتين، دمجت بعناية شظايا الطوب والزجاج المحطم من منزل جدتها المدمر في تصميمها المعماري المستدام. وصرحت قائلةً: "تظل لهذه القطع أهمية خاصة، تمامًا مثل ذكرياتنا ومعارفنا."

في تلك اللحظة، تحولت منهجية STEAM من كونها مجموعة من المواد التعليمية إلى إطار معرفي موحد يعكس الصمود في مواجهة التحديات.

Image
Collage for four photos of students - four girls and one boy - standing behind models of houses they have made

ثم بدأ الآباء بالحضور محضرين معهم مهارات وخبرات قيمة في مجالات النجارة وتوصيل الأسلاك والبناء. أحد الآباء، الذي فقد كل شيء بسبب النزاع، عمل جنبًا الى جنب مع ابنته قائلًا لي: "هي تعلمُني الاستدامة، وأنا أعلِّمها أساسيات البناء. نحن نعيد الإعمار معًا."

أصبح هذا المشروع من أكثر تجارب التعلم التي خضتها في مسيرتي المهنية حتى الآن عمقًا:

- آباء يتعلّمون من أبنائهم

- أبناء يتعلّمون من آبائهم
- معلمون يُركّزون على التيسير بدلاً من التوجيه
- مجتمع يعيد بناء نفسه من خلال التصميم

ما بدأ كمشروع مدرسي، نما ليصبح شيئًا أكبر بكثير – عملية تعافٍ جماعية. 

نظمنا معرضًا لعرض النماذج الأولية والقصص التي ألهمت هذه النماذج. حضر المعرض أكثر من 500 شخص، بما في ذلك العائلات وطلاب من مدارس مجاورة، بالإضافة إلى مديري المدارس والمعلمين وقادة المجتمع وبعض السكان الذين فقدوا منازلهم. شاهد الجميع الأطفال وهم يحولون تجاربهم المؤلمة إلى أفكار مبتكرة.

وقف الآباء بكل فخر بجوار إنجازات أطفالهم، بينما طرح المعلمون أسئلة حول كيفية تكرار هذا المشروع. وفي الوقت نفسه، بدأ قادة المجتمع مناقشات تتعلق بخطط إعادة الإعمار على أرض الواقع.

لقد كان هذا المعرض علامة فارقة تبرهن أن التعليم ليس بحاجة للانتظار حتى "تتحسن الظروف"، بل قد يكون هو العامل الذي قد يجعل الأمور أفضل.

تحوّل ابتكارنا المحلي إلى سياسة وطنية

لم تتعامل كل من اليونيسف ووزارة التعليم والاتحاد الأوروبي مع هذا المشروع على أنه مجرد مشروع صف مدرسي اخر، بل اعتبرته دليلًا عمليًا لنموذج التعليم أثناء الأزمات. لقد رأوا تعلم STEAM حقيقي، وحل للمشكلات بأقل الموارد، وتعاون الأهالي والطلاب، ومجتمع يستعيد روح المبادرة والتصميم. وتوصلوا إلى قرار واضح: هذا النموذج يجب ألا يبقى محصورًا في صف واحد.

تحوّل المشروع التجريبي للمنازل البيئية إلى مختبر STEAM كامل التمويل، بفضل دعم الاتحاد الأوروبي واليونيسيف ووزارة التعليم، من خلال صندوق الابتكار في التعليم والتعلم (TLIF).

أتولى حاليًا تنسيق هذا المختبر، وأعمل مع فريق متنامٍ من المعلمين لتطوير تجارب STEAM تطبيقية تركز على التعليم المناخي والطاقة المتجددة والحلول المجتمعية في المدارس ذات الموارد المحدودة. يمكنكم الاطلاع على المزيد حول المشاريع المرتبطة بمنهجية STEAM التي ننفذها بدعم من صندوق الابتكار في التعليم والتعلم (TLIF)هنا.

أتاحت لي هذه التجربة الانتقال من البيئة المدرسية إلى مجالات المناصرة الدولية. تم انتخابي لعضوية اللجنة التنفيذية لشبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة التابعة لليونسكو، كممثلة عن المنطقة العربية. أعمل حاليًا على دعم سياسات تتعلق بحق الوصول إلى التعليم، وتمكين الشباب، والتعلم المستجيب للأزمات، مع التأكيد على أن تحقيق التغيير يبدأ من داخل الصفوف المدرسية وليس فقط في مواقع صنع القرار.

هناك مبدأ أساسي يوجّه كل ما أقوم به: ليس من الضروري أن ينتظر الطلاب سنوات ليصبحوا قادة؛ بل يبدأون بالقيادة منذ اللحظة التي يصبح فيها التعلم ذا مغزى. وبذلك، لا يُعد تعليم STEAM الحقيقي مجرد وسيلة لإعداد القادة، بل هو القيادة في حد ذاتها.

عند التأمل في هذا المشروع بعناية، هناك درسان لعبا دورًا جوهريًا في تكوين منهجيتي في التعامل مع التعليم:

1) عقلية النمو تُمارس ولا تُلقن: لم يعزز الطلبة مهارة الصمود من خلال أوراق عمل حول المثابرة، وإنما من خلال بناء النماذج، والفشل، وتلقي الملاحظات، وإعادة التصميم. فقد أصبح التكرار جزءًا أساسيًا من هويتهم.

2) المجتمع هو المنهج الدراسي: أحضر الآباء خبرات نادرا ما تلقى تقدير المدارس. وعندما تعلم الطلاب جنبًا إلى جنب مع آبائهم، حدث أمر بالغ الأهمية: استعيدت الكرامة وتحولت المعرفة إلى ميراث ينتقل عبر الأجيال.

هذه الدروس أصبحت توجه كل ما أقوم به: أولاً، ثِق في الطلاب الذين يواجهون تحديات حقيقية، واعتبر القيود دافعًا للإبداع؛ وأخيرًا، احرص دائمًا على جعل التعلم ظاهرًا للجميع حتى يتسنَّ للجميع زيادة أثره.

سؤال موجّه لنا جميعًا

ماذا لو أصبحت كل قاعة صفية مساحة يعمل فيها الطلبة على حل مشاكل واقعية تهمهم؟ تذكروا أنه عندما نمنح الطلبة الثقة للتعامل مع تحديات حقيقية، فإنهم لا يستعدّون للمستقبل فحسب—بل يصنعونه.